ابن الجوزي
113
زاد المسير في علم التفسير
والثالث : أن الخطاب الثاني للمشركين ، ذكره جماعة من المفسرين ، قالوا : والذي أنزل إليهم القرآن . وقال الزجاج : الذي أنزل : القرآن وما أتى به عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه مما أنزل عليه ، لقوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) أي : لا تتولوا من عدل عن دين الحق ، وكل من ارتضى مذهبا فهو ولي أهل المذهب . وقوله تعالى : ( قليلا ما تذكرون ) ما : زائدة مؤكدة ، والمعنى : قليلا تتذكرون . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم : " تذكرون " مشددة الذال والكاف . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم : " تذكرون " خفيفة الذال مشددة الكاف . قال أبو علي : من قرأ " تذكرون " بالتشديد ، أراد " تتذكرون " فأدغم التاء في الذال ، وإدغامها فيها حسن ، لأنها التاء مهموسة ، والذال مجهورة ، والمجهور أزيد صوتا من المهموس وأقوى ، فادغام الأنقص في الأزيد حسن . فأما حمزة ومن وافقه ، فإنهم حذفوا التاء التي أدغمها هؤلاء ، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة . وقرأ ابن عامر : " يتذكرون " بياء وتاء ، على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب . وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ( 4 ) قوله تعالى : ( وكم من قرية أهلكناها ) و " كم " تدل على الكثرة ، و " رب " : موضوعة للقلة . قال الزجاج : المعنى : وكم من أهل قرية ، فحذف الأهل ، لأن في الكلام دليلا عليه . وقوله تعالى : ( فجاءها ) محمول على لفظ القرية ، والمعنى : فجاءهم بأسنا غفلة وهم غير متوقعين له ، إما ليلا وهم نائمون ، أو نهارا وهم قائلون . قال ابن قتيبة : بأسنا عذابنا وبياتا : ليلا . وقائلون : من القائلة نصف النهار . فإن قيل : إنما أتاها البأس قبل الإهلاك ، فكيف يقدم الهلاك ؟ فعنه ثلاثة أجوبة . أحدها : أن الهلاك والبأس يقعان معا ، كما تقول : أعطيتني فأحسنت ، وليس الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله ، وإنما وقعا معا ، قاله الفراء . والثاني : أن الكون مضمر في الآية ، تقديره : أهلكناها ، وكان بأسنا قد جاءها ، فأضمر الكون ، كما أضمر في قوله : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين ) ، أي : ما كانت الشياطين تتلوه . وقوله تعالى : ( إن يسرق ) ، أي : إن يكن سرق . والثالث : أن في الآية تقديما وتأخيرا ، تقديره : وكم من قرية جاءها بأسنا بياتا ، أو هم قائلون